فخر الدين الرازي
542
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أن التكليف له ركنان أحدهما : الاعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد ، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار ، فلهذا السبب قال : وَاسْتَغْفِرُوهُ / فإن قيل المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي ، فلم عكس هذا الترتيب هاهنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما لا ينبغي ؟ قلنا ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر ، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى اللّه عليه وسلّم : « وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » ولما رغب اللّه تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي ، فقال : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وفي هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : وجه النظم في هذه الآية من وجوه الأول : أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه ، وذلك لأن الموجودات ، إما الخالق وإما الخلق ، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة ، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر اللّه ، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم ، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق اللّه ، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر اللّه ، وأفضل أبواب التعظيم لأمر اللّه الإقرار بكونه واحدا وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها ، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال ، لأنه ضد الشفقة على خلق اللّه ، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفا بصفات ثلاثة أولها : أن يكون مشركا وهو ضد التوحيد . وإليه الإشارة بقوله وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وثانيها : كونه ممتنعا من الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق اللّه ، وإليه الإشارة بقوله الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وثالثها : كونه منكرا للقيامة مستغرقا في طلب الدنيا ولذاتها ، وإليه الإشارة بقوله وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : الأمس واليوم والغد . أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة اللّه تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم . وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة ، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة ، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال ، فلهذا حكم اللّه عليه بالويل ، فقال : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وهذا ترتيب في غاية الحسن ، واللّه أعلم الوجه الثاني : في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم : لا إله إلا اللّه ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] الثالث : قال الفراء : إن قريشا كانت تطعم الحاج ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم . المسألة الثانية : احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية ، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين أحدهما : كونه مشركا والثاني : أنه لا يؤتي الزكاة ، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد ، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد ، وذلك هو المطلوب .